إن الحرية هبة إلهية وضرورة إنسانية وإيمانية ، لا لأنها سبب في تطور الأمم ورقيها كما يتصور الماديون ، فهذا التعليل يفقد الحرية قيمتها وأهميتها وضرورتها ، ويفتح الطريق للطغاة لاستلابها حين لا يتحقق التطور بسببها ، كما حصل في الدول الشيوعية ؛ وإنما تكمن قيمة الحرية في أنها غاية كلمة التوحيد ( لا اله الا الله ) ، إذ بالإيمان بالله وحده وإخلاص التوحيد له تحقق ( الحرية التي لا أرفع منها ولا أنفع) ، ولأنها حق إنساني يولد مع الإنسان حين يولد ، بل لا معنى للإنسانية إلا بها ، ولا قيمة للإنسان من دونها ؛ وقد عبر عن ذلك الخليفة الراشد عمر بقوله " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟"
* لقد جاء ( تحرير الإنسان ) لا دراسة تاريخية كما هو ( الحرية او الطوفان ) ، بل دراسة عقائدية أصولية للخطاب السياسي الإسلامي ، -وقد اجتهدت – في هذا الكتاب في بيان أصول الخطاب كما جاءت في القرآن والسنة ، وكما بينها النبي صلى الله عليه وسلم عملياً، وكما مارسها بعده – سياسيا- الخلفاء الراشدون المهديون ، الذين يعد عصرهم النموذج البشري لنظام الحكم في الإسلام بعد عصر النبوة ، حيث تتجلى مبادئ الخطاب السياسي الإسلامي في العهد الراشدي ، بأوضح صورها ، على يد خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت كل ممارساتهم بشرية محضة ، بخلاف عهد النبوة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع فيه بين كونه نبيا معصوما وإماما مجتهدا ، فلم تتمحض الممارسة البشرية والتطبيق العملي الاجتهادي لمبادئ الخطاب السياسي الإسلامي ، الا في عهد الخلفاء الراشدين الذين كانت الأمة معهم رقيبة عليهم تسددهم وتقومهم ، والذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع هديهم والاقتداء بسنتهم ، في هذا الباب ، كما جاء في الحديث الصحيح ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) . |